- من كتاب ( جَولة أَثرَيَة في بعضِ البلادِ الشّامِيّة ) لمؤلفه "أحمد وصفي زكريا" ، يقدم الكتاب وصف طبغرافي تاريخي اثري عمراني للبقاع و البلدان الممتدة من شمالي الاسكندرونة الى أبواب دمشق .
الطبعة الأولى : ١٣٥٣ هجرية - تموز سنة ١٩٣٤ ميلادية
- جسر الشغر : وجسر الشغر بلدة جميلة فيها من السكان أربعة آلاف ، عرب أكثرهم مسلمون وفيها دار للحكومة جديدة ومساجد ومدارس ودور للأهلين مبنية بالحجر الأبيض حسنة في الجملة ، ويمر من وسطها طريق حلب- اللاذقية ،
ولكن هوائها رطب لقرب مستنقعات الروج والغاب منها .
ومن الغريب أن جغرافييّ العرب لم يذكروا عن هذه البلدة شيئاً وكان الأسم لقلعتي الشغر وبكاس اللتين في قربهما قرية ما برحت تدعى الشُغر القديم ، بينما مؤرخوا الإفرنج يزعمون أنه كان في مكان جسر الشغر مدينة إسمها
" Niaccuba أو Seleucu ad Belum "
يظهر أنها دٌثرت قبل الفتح الإسلامي ، وقد إكتفى أبو الفداء بذكر السوق العام الذي كان يقام قرب جسرها ودعاه جسر كشفهان ، ويظهر مما ذكره الرحالة أوليا جلبي أنه لم يكن قرب الجسر حين مروره فيها ( عام ١٠٥٨ هجرية) بلدة معمورة ، بل خان صغير ، وقد تمنى الجلبي وقتئذٍ العمران والأمان لهذا المكان الموحش فأستجيبت منيته ، لأن ( محمد باشا الكوبرلي) الشهير الذي كان باشا إيالة طرابلس الشام ، قبل أن يصبح صدرا أعظم ، مر من هنا بعد بضع سنين من مرور الجلبي ، فرمم الجسر الكبير المعقود فوق العاصي ، وقيل أنه هو أيضا بنى الجامع الكبير وخاناً وحماما،ً ، فعُمرت بلدة الجسر على يد هذا الوزير الخطير . وللجسر هذه البلدة مكانة عظمى من ناحيتي سوق الجيش والتجارة ، فقد كان يمر منه الرصيفان الرومانيان الأول الذاهب من اللاذقية إلى حلب ،والثاني الذاهب من آفاميا إلى انطاكيا ، وليس هذا الجسر مستقيماً بل في وسطه كوع جعل لمقاومة دفع العاصي ، كما أن ظهره افقي ليس فيه الأحديداب الذي يُرى في معظم جسور البلاد الشامية وطول هذا الجسر أربعمئة متر ، معقود على أربع عشرة قنطرة ، تدل حجارتها على أنه رمم مراراً ، وفي منتصفه وعلى إحدى جانبيه حجرة زبرت عليها كتابة عربية فيها أسم ( جقمق ) ، ولعله الملك الظاهر جقمق الشركسي ( ٨٤٢ - ٨٥٧ ) هجري هذا وفي أواخر القرن الماضي ، جعلت جسر الشغر مركزاً لقضاء ، يشمل قسماً من سهل الغاب وجبال النصيرية ، من العرب السنيين و النصيرية وقليل من التركمان في مرتفعات جبل القصير والكرد المستعربين في حدود جبل الأكراد من أعمال حكومة اللاذقية ، ومن اللاتين في قريتي القنية واليعقوبة ومن الروم الأرثوذكس في قرية أنكزيك وحلوز ، ومن الأعراب و الفلاحين في قرى الروج والغاب ، وتكثر أشجار الزيتون في بقعة التركمان والأشجار المثمرة والكرمة في قرى بداما ودركوش والقنية ،وزراعة الارز والقطن في سهول قسطون وإشتهرت في هذا القضاء قرية إشتبرق بينابيعها ومنتزهاتها ، وأنكزيك وأهلها روم أرثوذكس بجودة هوائها وصلاحها للإصطياف ،والزعينية بحراجها ومياهها ومصائدها ، وبلميس ومشمشان وكفر دبين بذكرياتها التاريخية . وكان لبلدة الجسر على بعد ساعة في شماليها ، قلعة حصينة مقابلها أخرى يقال لها بكاس على رأس جبلين بينهم وادٍ كالخندق ، كل واحدة تناوح الأخرى ، وفوق الوادي جسر كان يعبر من فوقه من إحداهما إلى الأخرى ، مر إبن بطوطة في سنة ٧٢٥ هجرية بحصن الشغر وبكاس وقال : " إنه منيع في رأس جبل شاهق وذكر إسم أميره وقاضيه ، ونوه بفضل الأول وأن الثاني من أصحاب إبن تيمية .
وقال ابو الفداء المتوفي سنة ٧٣٢ هجرية : " الشغر وبكاس من جند قنسرين ، قلعتان حصينتان ، بينهما رمية سهم ، على جبل مستطيل ، وتحتهما نهر يجري ، ولهما بساتين وفواكهة كثيرة ، ولهما مسجد جامع ، ومنبر ورستاق ، وما بين انطاكية وأفامية ، وفي شرقيهما على شوط فرس جسر كشفهان ، وهو جسر على النهر ، وهو مشهور وله سوق يجتمع الناس فيه في كل أسبوع ، فيُستدلُ من هذا الوصف أن كشفهان ربما كانت هي بلدة جسر الشغر الحالية ، وكانت الشغر وبكاس وما حولهما من المخافر ، في سهل الروج وجبل الزاوية ، من معاقل الصليبين المخصصة لحراسة أنطاكية ، وعلى مقربة من القلعتين قرية تدعى الشغر القديم ، تحيط بها المزارع والحدائق ، وفيها مسجد يحوي بعض أحجار ذات كتابات كوفية .
Hussein Hajahmed

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق